السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
41
الرواشح السماوية
يريد نفي كونه مدرَكاً لغيره بنحو من الأنحاء الثلاثة . والبرهان عليه : أنّ كلّ ما له صورة مساوية لحقيقته فهو محتمل الشركة بين كثيرين ، والله منزّه عن المثل والشريك . وممّا ورد في الحديث : " إنّ الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار " . ( 1 ) " وإنّ الملأ الأعلى يطلبونه كما أنتم تطلبونه " . ( 2 ) ثمّ المدرَك بالحسّ لا يخلو من حيّز ومقدار ، وإليه أشار بقوله : ( ولا يحيط به مقدار ) ؛ لتنزّهه عن الجسميّة وما يكنفها . قوله : ( عجزت دونه العبارة ) . أي تَحْتاً من عزّه ، وعن دون من مجده ، فضلاً عنه وعن مرتبة جلاله . أو بمعنى " عنده " وقريباً منه ، وكذلك : ( وكلّت دونه الأبصار ) . والمراد الأبصار العقلانيّة فما ظنّك به بالنسبة إلى الأبصار الجسمانيّة ! ؟ ( وكلّت دونه الأبصار ) . بفتح الألف ، أي قصرت دون وصفه عبارة البلغاء ، وحسرت عن إدراكه أبصار البصراء . قوله : ( وضلّ فيه تصاريف الصفات ) . أي ضلّ في طريق نعته نعوت الناعتين ، وصفات الواصفين ، بفنون تصاريفها ، وأنحاء تعبيراتها ، أي كلّما حاولوا أن يصفوه بأجلّ ما عندهم من صور الصفات الكماليّة ، وأعلى ما في عقولهم من مفهومات النعوت الجماليّة . فإذا نظروا إليه وحقّقوا أمره ظهر لهم أنّ ذلك دون وصف جلاله وإكرامه ، وسوى نعُوت جماله وإعظامه ، ولم يصفوه بما هو وصْفه ، ولم ينعتوه كما هو حقّه ، بل رجع ذلك إلى وصف أمثالهم وأشباههم من الممكنات ، كما في الحديث المشهور عن الباقر ( عليه السلام ) :
--> 1 . تحف العقول : 245 ، من حكم سيّد الشهداء ( عليه السلام ) في التوحيد . 2 . بحار الأنوار 66 : 292 .